حوار الكتب:
كتبهاهاجر قويدري ، في 7 يناير 2008 الساعة: 08:52 ص
حتى يشجع مصباحي الجبان.. أشعل الليل الشاسع كل نجومه
بعض الكتب تتحدث عن أشياء كثيرة دفعة واحدة..فتصاب بالدوران خاصة إذا كنت تفترش ما يقال بعد القراءة.. وتحاول أن تتغطى بالذي يرسخ فيك، ولكني أذكر قصة لطالب علم كان يترك حلقة الدرس في منتصفها كل مرة فسأله المعلم: ولكن لما؟ قال الطالب: يا معلمي إني في كل مرة اخذ الذي يكفيني وأخاف إذ أنا حصلت من علمك الوافر على أشياء عدة ينسيني بعضها البعض، فأنا أخرج كل مرة من حلقتك بشيء واحد عالق عليّ أن أرتبه في سكينتي خير من أن تتلقفني دهشة الزخم…
قد يكون هذا منهج جيد، غير أن ترتيب المعارف في السكينة هو الفكرة الأهم، ولا أعرف لماذا تشعر حالما تنهي كتاب غاستون بشلار "شعلة قنديل" بضرورة إشعال شمعة وترتيب المعارف التي قدمها لك وسط سكينة شمعة، ربما ينتقل لك أهميتها وربما أكثر من هذا حيث تحاول مراقبة أو بالأحرى تحسس شعلتك الداخلية فالإنسان شعلة ناطقة هكذا يقول بشلار.
وبشلار يأتيك بزخم مرتب فالإضافة إلي منهجيته المميزة في رصد الأشياء هاهو في كتابه المذهل "شعلة قنديل" يدعوك إلى مخبره لتشهد عملية تشريح بالغة الدقة بل وخطيرة جدا فهل يعقل أن يشّرح أحدكم شعلة قنديل .. لنكتشف..
- كتاب بكامله عن شعلة قنديل.. هل هو غوص شاعري أم إسقاط أخر أوسع؟
- إن هذا من شانه التبيين أن الخيال يكون شعلة، شعلة نفسية لهو كتاب خليق بالكتابة وقد يمضي المرء عمره كله في كتابته ص21
- ولكنه احتراق ؟
- ظل الاحتراق تاريخ نظرات شبه علمية، وربما ينبغي على هذا التحليل النفسي أن يمحو الخيالات لكي يحدد نظاما للأفكار. ص18
- ولكنه القنديل لا يشكل حقيقة واقعية ولا ملامسة يومية فإديسون أبعد عنا العناء؟
- من القنديل إلى المصباح هناك نوع من فتوحات الحكمة بالنسبة إلى الشعلة بفضل مهارة الإنسان باتت شعلة المصباح منضبطة، الآن إنها تؤدي دورها البسيط والعظيم كواهبة للضوء. ص21
- عدا دوره في قهر العتمة ما هو دور القنديل في تحليك النفسي أو بالأحرى الشاعري؟
- الكاتب يكتب لنا أما المصباح فهو الروح التي تسهر على غرفته. ص 22 وحيثما ساد المصباح إنما تسود الذكرى. ص23 والذي نسيته الأحلام ذاتها كانت شعلة قنديل تجعل الحكماء يفتكرون، وكانت تمد الفيلسوف المتوحد بألف حلم وسانحة.. فوق طاولة الفيلسوف إلى جانب أغراض حبيسة في صورتها وإلى جانب كتب تٌعلم ببطء كانت شعلة القنديل تستدعي أفكاراً بلا قيود وتستثير خيالات بلا حدود، آنئذ كانت الشعلة ظاهرة العالم بالنسبة إلى حالم ، كان يُدرس نظام العالم في كتب ضخمة وها هي شعلة بسيطة يا لسخرية العالم تنهض مباشرة وتطرح لغزها الخاص ص25
- وما هو لغزها؟
- تجري مستقيمة إلى مصير عموديتها مثل فكرة صارمة. ص26
- هي تجري وفق نظام احتراق يخضع لقواعد فيزيائية ولا شأن لها بمصير أفكارنا؟
- لا في الزمان الذي كان يجري فيه الحلم عبر التفكير والتفكير عبر الحلم كان في مستطاع شعلة أن تكون مضغطاً حساساً لهدوء النفس ومقياسا للصمت المرهف.. لصمت يهبط إلى تفاصيل الحياة صمت يقدم لطاقة التواصل الديمومة التي يسايرها مجرى الأحلام الهادئة. ص27
- قد نحتاج الهدوء بالفعل؟
- تنفسوا بلطافة أمام الشعلة الخفيفة التي تقوم وضعيا بعملها الضوئي. ص27
- ليس صعبا إشعال شمعة ولكن كيف نقتنص حقيقتها؟
- ولكن بأية سهولة ينتقل حالم العالم من ضوئه الصغير إلى أنوار السماء الكبرى؟ الشعلة التي يراها راءِ هي حقيقة شبحية تستدعي فعلا إعلان الكلام. ص28
- وهل أعلن الكلام؟
- كانت الشعلة غواية الكاتب يجب على الناس العقلاء أن يغفروا لهؤلاء الذين يصغون لشياطين المحبرة. ص30
- وماذا قالت لبعضهم شياطين المحبرة؟
- جوبير مثلاً يرى الشعلة أنها واحدة من ظواهر العالم تجري الهيمنة عليها حيث يجري التعبير عنها في ما يتعدى واقعها، إنها تبادل واقعها بواقع إنساني. ص30
- ولكنه قنديل ينطفئ؟
- إن القنديل الذي ينطفئ هو شمس تموت، يموت القنديل موتاً ألطف حتى من موت كوكب السماء، تنحني الفتيلة تسوّد الفتيلة تتناول أفيونتها في الظل الذي يحاصرها وتموت الشعلة، حقا تموت وهي نائمة متناومة. ص32
- وماذا عن حياته القنديل؟
- حسب عبارة باراكلس يغدو التأمل أمام شعلة تمجيداً لعالمين. ص33
- لعالمين ؟
- هناك جدل المنفعل والفاعل، المتحرك والمحرك، المشتعل والمشعل، بليز د كيجنير يرى أن هناك ناران أحداهما أشد تلتهم الأخرى، من يرغب في معرفة ذلك عليه أن يتأمل في الشعلة التي تنطلق وتصعد من نار موقدة أو من مصباح لأنها لا تصعد قط ما لم تكن متجسدة في أية مادة قابلة للفساد وما لم تتحد بالهواء، لكن فوق هذه الشعلة التي ترتفع هناك لسانان لسان لهب أبيض يلمع ويضيء ويكون جذره الأزرق في القمة، ولسان لهب أحمر مشدود إلى الحطب والى الضوء الصغير الذي يحرقه يرتفع الأبيض إلى الأعلى مباشرة وفي الأسفل يمكث اللهب الأحمر راسخا دون أن ينسلخ عن المادة التي تدبّر ما يجعل اللهب الأخر يشتعل ويلتمع. ص 35
- وهل يعني هذا أن الأمر مهم؟
- في الشعلة يتحرك المكان، ينفعل الزمان.. كل شيء يضطرب عندما يضطرب الضوء. ص40
- حدثنا عن شاعريتها؟
- يقول ليشتنبرغ أن الإنسان بحاجة ماسة إلى رفقة وأنه حين يحلم في العزلة يشعر بعزلة أقل أمام القنديل المضاء. ص42
- يبدو معقول هذا فالعتمة عزلة العين؟
- القنديل رفيق الوحدة هو بالأخص رفيق العمل المستوحد، لا يضيء القنديل زنزانة خالية فقط بل يضيء كتابا. ص65 لكن القنديل سينطفئ قبل أن يفهم الكتاب الصعب، لا يجوز إضاعة شيء من وقت ضوء القنديل من ساعات حياة الدرس الكبرى ص66 وجوهريا تكون الشعلة عموديا بحيث تبدو لحالم الوجود بأنها مشدودة إلى غيب إلى لاوجود أثيري. ص70
- نفهم أن عمودية الشعلة هو جوهرها؟
- نعم.. إن حركة الروح مثل حركة النار تصنع نفسها وهي صاعدة.. حيث يكون في الإمكان القول إن كل ما هو مستقيم كل ما هو عمودي في الكون يكون شعلة. ص74
- كل ما هو عمودي يكون شعلة..كيف ذلك؟
- تقول مأثورات نوقاليس التي ترجمها ماترلينك "ليس في مستطاع الشجرة أن تغدو سوى شعلة زاهرة، فيما يغدو الإنسان شعلة ناطقة، والحيوان شعلة ضالة. ص75
- يبدو مثير جدا أن يتخطى نوقاليس مفهوم الشعلة؟
- إن فن القفز في ما يتعدى الذات هو الفعل الأرفع في كل مكان، إنه النقطة المصيرية للحياة، إنه تكوين الحياة.. فما الشعلة بشيء أخر سوى فعل من هذا النوع هكذا تبدأ الفلسفة هناك حيث المتفلسف يفلسف ذاته أي يهلك ويتجدد. ص 78
- وما العمل أمام وقت الشعلة القصير؟
- حقا الأشياء الحقيقية لا تحلم لأمد طويل.. لا يجوز ترك الضوء ينام لابد من الإسراع في إيقاظه. ص 81
- يبدو مؤسفا أننا في عصرنا هذا لا نحتك بالشعلة دائما ما دامت بهذا الإسقاط المربك؟
- لقد دخلنا في عصر النور المدبر.. دورنا الوحيد هو أن نحرك أزرار الوصل والفصل، لم نعد سوى الفاعل الآلي لحركة آلية فنحن لا نستطيع الإفادة من هذا الفعل حتى نكون أنفسنا بكبرياء مشروع كفاعل لفعل أضاء. ص105
- أحسد الذين عاشوا مع القنديل لا شك أنها حركت شعلتهم الداخلية؟
- أوكتاقيوباز يقول " بارقة المصباح الزيتي بارقة.. تبحث.. تتناقش مع ذاتها تقول لي إن أحدا لن يأتي. ص113
- في الأخير ما هي شعلتك الداخلية؟
- صفوة القول مع اعتبار تجارب الحياة التجارب المتباعدة المتناثرة والناثرة، أنني أكون حقا مع طاولة وجودي الأولى حينما أكون أمام ورقي الأبيض، أمام الصفحة البيضاء الموضوعة على الطاولة في المكان المناسب من مصباحي.ص128
هاجر قويدري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:حوارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 19th, 2008 at 19 يناير 2008 10:32 م
شكرا لك هاجر